مستغانم كوم
هذه الرسالة تفيد بأنك غير مسجل
ويسعدنا كثيرا انضمامك لنا..

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

مستغانم كوم
هذه الرسالة تفيد بأنك غير مسجل
ويسعدنا كثيرا انضمامك لنا..
مستغانم كوم
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اذهب الى الأسفل
المحترف
المحترف
مشرف منتدى أخبار و تاريخ مستغانم
مشرف منتدى أخبار و تاريخ  مستغانم
عدد الرسائل : 1490
نقاط : 2747
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 20/06/2008

عبد الحميد مهري.. قتلوه وساروا في جنازته | خضير بوقايلة Empty عبد الحميد مهري.. قتلوه وساروا في جنازته | خضير بوقايلة

الجمعة 10 فبراير 2012, 15:59
شكل رحيل المناضل في الحركة الوطنية الجزائرية والسياسي المحنك عبد الحميد مهري الحدث السياسي الأبرز في الجزائر الأسبوع الماضي، رافق جثمانه إلى مثواه ما قبل الأخير جموع غفيرة بينها كثير من المسؤولين السابقين والحاليين في أعالي هرم السلطة. صحيح أن مهري دفن الثلاثاء الماضي لكنه في الحقيقة مات قبل هذا التاريخ بأعوام عديدة وقد اجتهد كثير من الذين تباكوا عليه يوم جنازته من أجل اغتياله سياسيا وإبعاده تماما عن الساحة السياسية الجزائرية وقطع أية صلة بينه وبين الجزائريين، تماما كما فعلوا مع المناضل والزعيم التاريخي حسين آيت أحمد عندما فعلوا المستحيل من أجل بناء حاجز منيع بينه وبين أبناء الشعب الجزائري فقزموه وقدموه في صورة العنصري الجهوي الساعي إلى تفتيت الجزائر، وقد صدق كثير من الناس هذه الكذبة للأسف.
عندما وقف عبد الحميد مهري ضد مخطط إجهاض الديمقراطية في الجزائر في بدايات تسعينات القرن الماضي تأكد صناع القرار في البلد أن هزم خصمهم لن يكون إلا بشطبه نهائيا من الخارطة السياسية حتى لا يبقى له ذكر ولا تتاح له أية فرصة للظهور مجددا. الرجل محنك وداهية والتخلص منه لن يكون بتلك السهولة التي تعود عليها النظام في تصفية الخصوم العاديين، مهري لم يكن من الذين يمكن ابتزازهم أو مساومتهم أو إلهاؤهم بالفتات كما كان الأمر جاريا مع معظم الكائنات والكيانات السياسية الموجودة، لذلك كان لا بد من وضع خطة محكمة على مستويات مختلفة من أجل تحقيق الهدف، وقد شاءت الأقدار أن أكون وقتها مديرا بالوكالة لإحدى الصحف الحكومية فحضرت اجتماعا في رئاسة الجمهورية كانت النقطة الوحيدة في جدول أعماله هي البحث مع مسؤولي المؤسسات الإعلامية الحكومية على طريقة فعالة لمحاربة عبد الحميد مهري وتحييد الخط السياسي الذي كان يمثله على مستوى حزب جبهة التحرير الوطني الذي بدأ يفك قيده من قبضة السلطة ونظام الحكم الشمولي. إلى جانب ذلك كان السعي دؤوبا على المستوى السياسي من أجل محاصرة تيار مهري وإنهاكه ثم رميه في سلة النسيان الوطني، وقد اكتملت الخطة وأسفرت عن إبعاد مهري تحت عنوان ما صار يعرف باسم (المؤامرة العلمية) التي قادها انقلابيون في حزب جبهة التحرير الوطني سلموا الحزب لقمة سائغة إلى أصحاب القرار الذين ساءهم أن يروا ذلك الحزب الذي كرس لخدمة السلطة ينتفض عليهم ويحاول أن يلتحق بفضاء العمل السياسي المستقل. كان ذلك سنة 1997، ويروي مقربون من الراحل أن الأوفياء له من مناضلي الحزب قرروا التحرك لاسترجاع نفوذهم وتنفيذ انقلاب مضاد إلا أن مهري نصحهم أن لا يفعلوا وأن يدعوا الانقلابيين يتمكنون من الحزب ليس خوفا من مواجهتهم سياسيا، فهم أعجز أن يخوضوا تلك اللعبة، بل لأنه تلقى رسالة واضحة مفادها أن على الرجل أن يرضى بقدره وإلا فإن خصومه سيضطرون إلى تصفيته جسديا، وما ذلك عليهم بعزيز.
مهري لم يكن ضعيفا، بل أدرك أن أية محاولة للتصدي للزحف الجارف للتيار الاستئصالي لن تفيد في شيء، ولم يكن عليه إلا أن يستسلم ويرضى بالعيش بعيدا عن الأضواء في انتظار انقلاب العجلة وعودة الأمور إلى طبيعتها، ثم شاء الله أن يبتلي أعز الناس إليه زوجته بمرض خطير اضطر معه إلى ملازمتها والانشغال بالبحث عن موارد تضمن له توفير العلاج الأنسب لها وتغطية مصاريفه الباهظة. كثيرون أقل منه درجة كانوا يستفيدون من أموال الخزينة العمومية للعلاج في الخارج من أمراض أقل خطورة وشأنا، أما مهري الذي أفنى عمره مناضلا ومتدرجا في مختلف مناصب المسؤولية في البلد فقد وجد نفسه يتنقل بنفسه بين الإدارات حاملا ملف زوجته المريضة طالبا تغطية مصاريف علاجها دون جدوى، واضطر إلى بيع بعض أملاكه وإيجار بيته الذي يسكنه وانزوى في ركنه العائلي بعيدا عن أضواء السياسة حتى قضى الله في شريكة حياته أمرا كان مفعولا.
كلمات وحسرات وبكائيات تابعناها يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، عند نعي الفقيد ويوم جنازته، فيها كثير من الإشادة بخصال الرجل ومواقفه، كلام لا جدال في صحته لولا أنه كان يخرج من أفواهٍ كثير منها فعلت ذلك نفاقا. من بين الكلام الذي قرأناه وسمعناه عن الفقيد عبد الحميد مهري على لسان رفقائه وبعض رجال السلطة أنه كان رجلا وطنيا نزيها ومثالا وقدوة، وأن فراقه كان مؤلما، وأنه كان مجاهدا وحكيما ورصيدا تاريخيا كبيرا، وأنه كان أحد رجال الجزائر الأخيار. رئيس الحكومة أحمد أويحيى قال إن الجزائر فقدت بموت مهري أحد أعمدتها النضالية والسياسية.
كيف يمكن لرجل بمثل هذه الأوصاف والخصال أن يعيش سنوات في طي النسيان ويستيقظ الناس يوما ليسمعوا أنه فارق الحياة؟ عبد الحميد مهري لم يعتزل السياسة ولم يختر يوم أن يختفي عن الساحة، بل كانت تلك إرادة خصومه وأعداء الحرية والفكر السياسي المتنور، أولئك الذين قتلوا مهري سياسيا ثم ساروا أمس في جنازته يتباكون عليه وعلى خصاله، تماما مثل ما فعل من قبلهم قبل سنوات خلت برجال وطنيين خالفوهم الرأي فاضطروا إلى تصفيتهم جسديا. رجال أمثال عبان رمضان تقول عنهم كتب التاريخ إنهم وطنيون استشهدوا في سبيل الوطن خلال حقبة ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وعندما بدأت الألسنة تتحرر بدأ رفقاء السلاح يعترفون تباعا أن الذين قتلوا هؤلاء المجاهدين المناضلين وقادة الثورة التحريرية لم يكونوا من زبانية فرنسا الاستعمارية بل كانوا رفقاء السلاح وأبناء نفس الوطن.
الخبير القانوني الجزائري سعد جبار عرف عبد الحميد مهري خلال أحلك الفترات التي مرت بها الجزائر في عهدها الحديث، وقد نقل عنه شهادة حية لجوانب من حياة وهموم الفقيد خلال حصة خاصة بثتها قناة المغاربية الوليدة، ومن بين ما سمعته أنا عنه تعليق بليغ عن بوتفليقة وسياسة المصالحة التي يروج لها. فقد قال مهري إن بوتفليقة استعار من المعارضة الحقيقية خطابها وتبناه لكن أفرغه من محتواه. وكانت النتيجة أشبه بتلك المرأة التي وضعت حجارة على القدر وأفهمت أولادها أنها تطبخ لهم عشاء حتى نام الأطفال من طول الانتظار من دون أن يذوقوا طعم الأكل.
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قال في مرثيته إن ذكرى عبد الحميد مهري (باقية في القلوب ورصيده النضالي وإخلاصه الوطني يظلان ذخرا تقتدي بهما أجيال الجزائر في الاستمساك بتلك القيم الخالدة التي من شأنها عاش ومات على غرار كل المخلصين من أبناء هذه الأمة). كان حلم مهري أن يستعيد الجزائريون كرامتهم ويتخلصوا إلى الأبد من نظام دكتاتوري جثم على صدورهم عقودا طويلة، وقد أعرب عن ذلك في كلمات واضحة وبسيطة ومباشرة خطها في رسالة أرسلها العام الماضي إلى الرئيس بوتفليقة والذين يتشارك معهم في حكم الجزائر، هذه فقرة منها (إن الجزائر مدعوة للاحتفال، قريبا، بالذكرى الخمسين لاستقلالها، والوقت الذي يفصلنا عن هذه المناسبة العظيمة، كاف، على ما أعتقد لاتفاق الجزائريين على التغيير السلمي المنشود. وأحسن هدية تقدم لأرواح شهدائنا الأبرار هو الاحتفال بذكرى الاستقلال والشعب الجزائري معتز بماضيه ومطمئن لمستقبله).
ذكرى الاستقلال يفصلنا عنها خمسة أشهر، وأمنيتنا أن يحصل الشعب الجزائري على هديته مثل حلم بذلك مهري. الحلم سيتحقق لا محالة، وإذا كان الباكون من رجال السلطة والسائرون في جنازته صادقين في كلامهم فإن أمامهم فرصة أخيرة تاريخية لكي يعيدوا للشعب سيادته وسلطة قرار اختيار من يحكمه.

خضير بوقايلة كاتب وصحافي جزائري
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى