مستغانم كوم
هذه الرسالة تفيد بأنك غير مسجل
ويسعدنا كثيرا انضمامك لنا..

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

مستغانم كوم
هذه الرسالة تفيد بأنك غير مسجل
ويسعدنا كثيرا انضمامك لنا..
مستغانم كوم
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اذهب الى الأسفل
المسلم
المسلم
عضو خبير
عضو خبير
عدد الرسائل : 687
العمر : 41
الموقع : بورسعيد
البلد : دوله المرابطين العظيمه  من النشاه وحتى معركه الزلاقه المجيده  Female31
نقاط : 1007
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 01/07/2010

دوله المرابطين العظيمه  من النشاه وحتى معركه الزلاقه المجيده  Empty دوله المرابطين العظيمه من النشاه وحتى معركه الزلاقه المجيده

الإثنين 27 سبتمبر 2010, 23:20
دوله المرابطين
من الدول التى اثرت التاريخ الاسلامى العظيم واشرقت فى سماء الدنيا وكانت سببا فى بقاء بيضه الاسلام فى الاندلس الى اجل اخر يريده الله تعالى وكانت سببا فى نشر الاسلام فى مجاهل اقريقيا وتاسيس دوله اسلاميه من المحيط وحتى الصحراء الكبرى شرقا

الاصول الجغرافيه والتاريخيه
تعتبر قبائلُ صنهاجة أقوى قبائل البربر وأشدها وأمنعها, واشتهرت بقُوَّة شكيمتها, وكثرة رجالها الذين ملأوا الشَّمَال الإفريقى وسكنوا جباله، وسهوله وخصوصًا من المغرب الأوسط إلى المغرب الأقصى.
واعتبرَ بعضُ المؤرخين قبائل صنهاجة مثلت شعبًا انضوتْ تحت لوائه أكثر من سبعين قبيلة بربرية، ومِن أهم هذه القبائل وأشهرها لمتونة، وجدالة، ولمطة، ومسوفة، وهى التى تكوَّنت منها دولة المرابطين السُّنيَّة. وبعض المؤرخين يجعل القبائل الصنهاجية لها أصل من حمير بن سبأ أى: إن أصلَهم يمانيِّون.
والبعض الآخر يذهب إلى أنهم برابرة لا علاقة لهم بالعرب

1- تسمية الملثمين:
اشتهرتْ القبائل الصنهاجية فى التَّارِيخ باسم المُلَثَّمين، وأصبح اللثام شعارًا عُرفوا به إلى أن تسمَّوا بالمرابطين، ويرى بعض المؤرخين إن المُلَثَّمين ينتسبون إلى قبيلة لمتونة إحدى بطون صنهاجة, وكانت لمتونة تتولى رئاسة سائر قبائل مسوفة، ومسراته، ومداسة, وجدالة، ولمطة، وغيرها، ثم آلت الرئاسة إلى قبيلة جدالة على عهد الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي( ).
ويبدو أن إطلاق اسم المُلَثَّمين فى بدايته كان خاصًّا بقبيلة لمتونة ثم توسع وأصبح شعارًا لكل من حالف لمتونة ودخل تحت اسم سيادتها.
البيئه والنشاه
سكن المُلَثَّمون الصحراء الكبرى الممتدة من غدامس شرقًا إلى المحيط الأطلسى غربًا، ومِن جبال درن شمالاً إلى أواسط الصحراء الكبرى جنوبًا.
ولم تكن هذه الأماكن والمواطن تجرى بها أنهار دائمة, وكانت قليلة الأمطار وأحيانًا تُحبَسُ عنها الأمطار لسنوات عديدة؛ فيتعرض سكانها للمجاعة فيرتحلون لطلب الماء والكلأ، فتفرقوا حول الواحات الصغيرة فى تلك الصحارى الممتدة الأطراف، وكوَّنوا قرى بدائية تتماشى مع ظروف حياتهم الرعويه وقد دخل الاسلام اليهم فى عهد ولايه عمرو بن العاص على مصر وشمال افريقيا عن طريق عقبه بن نافع الفهرى

ابتعادهم عن تعاليم الاسلام

وانتشرت عادات خبيثة فى المُجْتَمَع المُلَثَّم تتنافى مع تعاليم الإسلام، بل هى عادات غارقة فى مستنقعات الجاهلية، ومن أبشع هذه العادات السيئة الزواج بأكثر من أربع حرائر، وعادة الزنى، ومصادقة الرجل للمرأة المتزوجة بعلم زوجها وحضوره، وغابت العقيدة الإسلامية الصحيحة عن ذلك المُجْتَمَع واضطربت تصوراتُه وانحرف عن الصراط المستقيم, بعدما كان أجداد هذا المُجْتَمَع قد آمنوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولاً، ونبذوا ديانتهم المجوسية القديمة، بل كان أجداد هذا المُجْتَمَع دعاة إلى الله ، ورفعوا لواء الجهاد , وخاضوا حروبًا فى سبيل إعلاء كلمة الإسلام الخالدة التى وصلتهم بعد فتح الأَنْدَلُس. واشتهرَ مِن ملوك المُلَثَّمين بحرصهم على نشر الإسلام وكسر شوكة من يعاديه الملك «تيولوثان بن تيكلان اللمتوني» الذى حارب القبائل الوثنية ونشر بينها الإسلام، وبعد وفاته سنة 222هـ خلفه حفيده الآثر الذى دام حكمه حتى وفاته عام 287هـ، فخلفه ابنه تميم الذى قتل عام 306هـ/ 920م على يد مشايخ صنهاجة.
وبعد ذلك افترقت كلمة المُلَثَّمين, وضاعت كثير من تعاليم الدين واستمرَّ شتاتهم مدة مائة وعشرين سنة الى أن قام بالأمر الأمير محمد بن تيفاوت اللمتونى الذى وحَّدَهم، وقد استشهد هذا الأمير بعد ثلاث سنوات من حُكمِه على يد الوثنيين، فقام بالأمر بعده صهره الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالى الذى قاد قَومه نحو دين الله بعد رجوعه مِن حِجِّه ورحلته المشهورة.
أبو عمران الفاسي
مهندس الخطوط العريضة
لدولة المرابطين (368 هـ - 430 هـ)
شيوخه:
تفقَّه بالقيروان عند أبى الحسن القابسي، وسمع بها من أبى بكر الدويلي، وعلى بن أحمد اللواتى السوسي، ورحل إلى قُرْطُبَة، فتفقَّه بها عند أبى محمد الأصيلي، وسمع الحديث من أبى عثمان سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن ، وغيرهم، ثم رحل إلى المشرق، فحج ودخل العراق، فسمع من أبى الفتح ابن أبى الفوارس .هذه ترجمة موجزة لواضع الخطوط العريضة لدولة المرابطين.
وتُوفى - رحمه الله - سنة ثلاثين وأربعمائة من الهجرة.







الزعيم والفكره
عبد الله بن ياسين
هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن على الجزولي, أصله من قرية «تماماناوت» فى طرف صحراء غانه
ودخل عبدُ الله بن ياسين مع يحيى بن إبراهيم فى مضارب ومواطن ومساكن المُلَثَّمين من قبيلة جدالة فى عام 430 هـ/ 1038م فاستقبله أهلُها واستمعوا له، وأخذ يعلمهم، فكان تعليمُه باللغة العربية لطلبة العلم، والإرشاد الدينى للعامة بلهجة أهل الصحراء البربرية.

لاقى عبد الله بن ياسين كثيرًا من الصعوبات، فقد وجد أكثر المُلَثَّمين لا يصلون ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وعم الجهل عليهم، وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة وتلوثت أخلاقُهم وأحكام دينهم، واصطدمت تعاليمه بمصالح الأمراء والأشراف، فثاروا عليه، وكادوا يقتلوه، إلا أنه ترك قبيلة جدالة، وانتقل إلى قبيلة لمتونة، ومِن ثمَّ اختار رباطه المشهور على مصب نهر السنغال، بعد انتشار صيته، وتعلُّق النَّاس به، فهرعوا إليه ليربيهم وينظمهم ويعلمهم.
كان رحمه الله يتميز بالذكاء والرحمه والصبر والشجاعه والعدل والورع والتقوى .
وقد شهد المُؤَرِّخُون حتى الذين طعنوا فى دولة المرابطين على صدق زعيمها
عبد الله بن ياسين، لقد ساد ابن ياسين فى قبائل المُلَثَّمين بصدقه فى دعوته.
وامتاز ايضا رحمه الله بضبط النفس والابتعاد عن التهور والانفعال: ويظهر ذلك جليًا فى شخصية ابن ياسين عندما باشر الأمير يحيى بن عمر اللمتونى القتال, وأمضى الحرب بنفسه فأدَّبه ابن ياسين وضربه بالسوط عشرين مرة, وبيَّن له أن ذلك خطأ، لأن الأمير لا يقاتل وإنَّما يقف يُحرِّض النَّاس ويُقوِّى نفوسهم فإن حياة الأمير حياة عسكره، وموته فناء جيشه.
واعتبَرَ عبد الله بن ياسين إقدام الأمير يحيى على القتال فيه تهور وعدم ضبط النفس.

الفكره والمذهب الدينى
أصول المنهجية العلمية والفقهية عند الفقيه ابن ياسين التى ربى عليها أتباعه
يُعتَبر الفقيه ابن ياسين من علماء أهل السنة والجماعة, مالكى المذهب، واستمدَّ أصول فهمه من أصول المالكية التى كانت ولا زالت ضاربة بجذورها فى قلوب أهالى الشَّمَال الإفريقي، إلاَّ أنه كانت له اجتهاداته الحركية والتنظيمية التى أملتها عليه طبيعة دعوته التى عاشها وتحرك بها، وبذلك نستطيع أن نقولَ عنه بأنَّه فقيه مالكى حركي، ويرى علماء المالكية الذين تتلمذ ابن ياسين على كتبهم وفقههم أن المذهب المالكى له أصول فى الاستنباط واستخراج الأدلة الشرعية ومن هذه الأصول:
المصدر الأول: القرآن الكريم: كان الإمام مالك يرى أن القرآن قد اشتمل على كليات الشريعة، وأنه عمدة الدين، وآية الرسالة، ولم تكن نظرته إليه كنظرة الجدليين، فابتعد عن نظر المتكلمين، هل القرآن لفظ ومعنى, أو معنى فقط، وهو عنده اللفظ والمعنى، كما هو إجماع مَن يعتدُّ بهم من المُسْلِمين، ورُوى أنه كان يقول: إن مَن يقول بأن القرآن مخلوق فهو زنديق يجب قتله، ولذا لم يعتبر الترجمة قرآنا يُتلى تجوز به الصلاة، بل هى تفسير أو وجه من وجوه المعنى المعقول، وهو يأخذ بنص القرآن، وظاهره ومفهومه، ويعتبر العلة التى يأتى التنبيه عليها.
إن القرآن الكريم هو المرجعية العليا لابن ياسين وأتباعه وكان موقفهم الإذعان والتسليم لكل ما جاء فيه، وما يتعلق بالعقائد أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات, فالقرآن الكريم لم يفرِّق بينها, فكلُّها تتضمن كلمات الله الهادية إلى أقوم سبيل، الداعية إلى كل هدى ورشد، والمحذِّرة من كل ضلالة وغي، فكان وأتباعه على بينة من ربهم وبصيرة من دينهم؛ فلم تتحير عقولهم أو ترتاب قلوبهم، أو يتردد عزمهم فى أى تصور أو معتقد أو خلق أرشد إليه القرآن، لإيمانهم العميق بقوله تعالى: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42].
وكان تدبُّرُ ابن ياسين وفقهاء المرابطين للقرآن الكريم معينًا لهم على استنباط الأحكام الشرعية.
قال تعالى:﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:29], وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:82]. وقال عز وجل: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24].

مرحلة المغالبة التى قام بها ابن ياسين:
بعد أن قطع ابن ياسين بأصحابه وأتباعه مرحلة التكوين العقدى والفقهى والحركى والتنظيمى والتربوي، وأصبح معه رجال يعتمد عليهم فى تبليغ دعوة الله على فهم صحيح لكتاب الله، وفقه واسع لسنة نبيه , ورغبهم فى ثواب الله تعالى، وطلب مرضاته، وخوَّفهم من عقابه، وتمكَّن حُبُّ الاتباع من قائدهم العالم الفقيه، بدأ ابن ياسين بإرسال البعوث إلى القبائل، لترغيب النَّاس فى الإسلام، فلبى مجموعة من أشراف صنهاجة هذه الدعوة المحكمة والتفوا حوله.
ثم أمر ابن ياسين أتباعه وتلاميذه أن يذهب كل منهم إلى قبيلته أو عشيرته يدعوهم إلى العمل بأحكام الله وسنة نبيه ×، فلما لم يجدوا استجابة من أقوامهم، خرج إليهم بنفسه، فجمع أشياخ القبائل، ووعظهم وحذرهم عقاب الله، واستمرَّ فى ذلك سبعة أيام، فلم يزدادوا إلا فسقًا، فلمَّا يئس منهم أعلن الجهاد عليهم( ).
تحرَّكت جموعُ المرابطين أولاً صوب قبيلة جدالة، حيث اشتبكوا معهم فى معركة شرسة وأوقعوا بهم الهزيمة، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وانقاد الباقون لأحكام الإسلام، ثم سار ابن ياسين إلى قبيلة لمتونة فقاتلهم وانتصر عليهم، ودخلوا فى طاعة ابن ياسين، وبايعوه على إقامة الكتاب والسنة، ثم مضى إلى قبيلة مسوفة التى دخلت تحت لوائه وبايعوه على ما بايعته قبائل جدالة ولمتونة، فلما شهدت قبائل صنهاجة هذه الأحداث بادرت إلى مبايعة ابن ياسين على بذل الطاعة له، وقلدتها كثير من القبائل الصحراوية
فى ذلك( ).
ووضع ابن ياسين خطة شاملة تركَّزت على توزيع النابغين من تلاميذه على القبائل التى دخلت فى دعوته ليعلموها القرآن وشرائع الإسلام، وبدأ ابن ياسين فى تخطيط الدولة التى شرع لتأسيسها على أسس شرعية ربَّانية، وفى ظنى أن الذى أسس الدولة المرابطية فعليًا ونفذ أحكامها الشرعية هو يوسف بن تاشفين، وهذا ما يتضح من خلال دراسة هذه الدولة البهية، ولما تُوفى الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي، قدَّم ابن ياسين مكانه يحيى بن عمر اللمتونى وكان من أهل الدين والفضل، كما كان منقادًا فى جميع أموره لإمامه ابن ياسين.
وبذلك أصبحت القبائل الصنهاجية فى المغرب الأقصى لها قيادة دينية وسياسية ومجالس شورى تُدبِّرُ دفتها وحركتها، فتطلعت لتوحيد المغرب الأقصى كله وإزالة كل عائق يمنعها من تحكيم شرع ربها.
الوضع السياسى فى المغرب الأقصى عند ظهور المرابطين
كان المغرب الأقصى فى أوائل القرن الخامس الهجرى فى محنة سياسية ودينية؛ حيث ظهرت دعوات منحرفة عن الإسلام وحقيقته وجوهره الأصيل، واستطاعت بعض الدعوات البدعية الكفرية أن تُشكِّل كيانًا سياسيًا تحتمى به, وأصبح المغرب الأقصى شبيهًا بالأَنْدَلُس فى زمن ملوك الطوائف، وكانت الطوائف التى سادت المغرب قبيل وصول المرابطين تتكون من أربع شوكات قوية لها وزنها فى المغرب الأقصى
أولاً: قبائل غمارة فى الشَّمَال.
ثانياً: قبائل برغواطة فى المغرب.
ثالثاً: قبائل زناتة وكانت تكوِّن نطاقًا حول الطوائف السابقة لا سِيَّمَا برغواطة.
رابعًا: طوائف الشيعة والرافضة والوثنيين فى الجنوب.
1- الطائفة الأُولى: قبائل غمارة:
كانت تسكن جبال الرِّيف الممتدة من ناحية البحر المتوسط من سبتة وطنجة غربًا، إلى وادى نكور بالقرب من المزمة أو الحُسَيْمة الحالية شرقًا، وتمتد بلادُهم جنوبًا إلى قرب فاس, وكانت غمارة بطنًا من بطون مصمودة وظهر فيها مشعوذون، وقصدتهم الخوارج للمنعة فى جبالهم، ووصفهم المُؤَرِّخُون من أمثال ابن خلدون وغيره: بأنَّهم: «عريقون فى الجاهلية؛ بل الجهالة، والبعد عن الشرائع بالبداوة والانتباذ عن مواطن الخير، وتنبَّأ فيهم إنسان يعرف بحاميم بن مَنِّ الله، ولُقِّب بالمفتري، وفى رواية أخرى بالمقتدي- ولعلها هى الأصل ثم حُرِّفت إلى المفترى – والجبل الذى تنبِّأ فيه يُنسب إليه، وهو جبل على مقربة من تطوان، وأجابه بشر كثير من غمارة وأقروا بنبوته، ووضع لهم شريعة استهواهم برخصها، فردَّ لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، ووضع لهم قرآنًا بلسانهم «أى البربرى»، ومن تعاليمه أنه أحلَّ لهم أكل أنثى الخنزير، وأسقط عنهم الحج والطهر والوضوء، وحرَّم عليهم الحوت حتى يُذكى، وحرَّم بيض كل طائر. . إلخ»( ).
وقد قتل هذا المشعوذ الزنديق فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى فى طنجة فى حروبه مع قبائل مصمودة الساحلية على حد قول البكرى وابن خلدون، أو فى حروبه مع جيوش الخليفة الأموى عبد الرَّحمن الناصر على حد قول صاحب «الاستبصار»، وصاحب «مفاخر البربر»( ).
واستمرَّت البدع الكفرية بالرغم من موت المتنبى المشعوذ وظهر أحد أبنائه ويُدعَى عيسى وكان مُبجَّلاً فى قَومه، وكانت قبائل غمارة غارقة فى الإباحيَّة بين النساء والرجال، وكان رجالهم يربون شعورهم كالنساء ويتخذونها ضفائر ويطيبونها

مرحله تاسيس الدوله المرابطيه و الشروع فى توحيد المغرب الأقصى
فى عام 447هـ/ 1055م اجتمع فقهاء سجلماسة ودرعة وكتبوا إلى ابن ياسين يُرغِّبونَه فى الوصول إليهم ليخلص بلادهم مما تعانيه من الحكام الطغاة الظلمة؛ زناتة المغراويين وأميرهم مسعود بن واندين، فجمع ابن ياسين شيوخ قَومه وقرأ عليهم رسالة فقهاء سجلماسة، فأشاروا عليه بمدِّ يد المعونة لهم، وقالوا له: «أيُّها الشيخ الفقيه, هذا ما يلزمنا فَسِرْ بنا على بركة الله
فخرجت جموع المرابطين فى شهر صفر سنة 447هـ إلى بلاد درعة، فتصدى لهم الأمير مسعود بن واندين بالقتال، وانتهت المعركة بهزيمة المغراويين ومصرع مسعود وتشتت جيشه، وأسرع ابن ياسين بدخول سجلماسة، وأصلح أحوالها، وقدم عليها عاملاً من لمتونة وحامية مرابطية ثم عاد إلى الصحراء
وفى عام 448هـ/1056م تُوفى الأمير يحيى بن عمر اللمتونى فَعيَّن عبد الله بن ياسين أخاه أبا بكر بن عمر مكانه للقيادة، ثم تأهَّب أبو بكر لغزو بلاد السوس؛ ففى ربيع الثَّانِى سنة 448هـ سار المرابطون صَوْبَ بلاد السوس، واختار أبو بكر بن عمر ابن عمه يوسف بن تاشفين ليتولى القيادة على مقدمة الجيش المرابطي، وكان ذلك أول ظهور ليوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين وقائد مرحلة التَّمكين، وتمكنوا من احتلال اردوانت، وقضوا على الروافض والوثنيين، كما قاتلوا اليهود المنتشرين فى تلك النواحى فأعادوا بذلك تلك المناطق إلى مذهب أهل السنة والجماعة( ).
وسار المرابطون إلى مدينة أغمات، وكان أميرها يومئذٍ لقوط بن يوسف بن على المغراوى وحاصروها, واضطر لقوط إلى الفرار عندما أيقن عبث المقاومة، فخرج يتلمس النجاة فى أهله وحشمه تحت جنح الظلام، ودخل المرابطون أغمات عام 449هـ/ 1057م وأقاموا فيها ما يقرب الشهرين، وتحركوا حركات حربية مُحكَمة للقضاء على فلول المُغراويين، واستطاعوا قتل أمير أغمات وتزوج أبو بكر بن عمر من زينب النفراوية زوجة لقوط المغراوي.

البطل القائد ينال الشهاده

سار أبو بكر بن عمر فى جموع المرابطين إلى أرض برغواطة وكان أميرهم يومئذٍ أبا حفص بن عبد الله بن أبى غفير بن محمد بن معاذ، ونشبت بين المرابطين والبرغواطيين وقائع ومعارك حامية الوطيس أصيب فيها العالم الربانى والمقاتل الميدانى والفقيه الموجِّه ابن ياسين بجراح أودت بحياته إلى الشهادة, نحسبه كذلك ولا نُزكِّى على الله أحدًا، حمل على إثر تلك الجراح إلى مقرِّ القيادة فى معسكر المرابطين، وقبل خروج روحه جمع رؤساء وشيوخ المرابطين وحثَّهم على الثبات فى القتال، وحذَّرهم من عواقب التفرقة والتحاسد فى طلب الرياسة، ولم يلبث أن فارق الحياة( )، فعلى أمثال هؤلاء الرحمة والمغفرة والرضوان من الرحيم الواحد المنان. واتفق رأى المرابطين على اختيار أبى بكر ابن عمر للرياسة مكان ابن ياسين، وأجمع شيوخ المرابطين على مبايعة أبى بكر, فجمع بين الزعامتين الدينية والسياسية، بينما يؤكد كل من القاضى عياض وابن خلدون أن المرابطين اتفقوا فيما بينهم على تقديم الشيخ سليمان بن حدو، ليرجعوا إليه فى مشاكلهم وقضايا دينهم، وتولَّى القائد الجديد الزعامة بهمة عالية وشجاعة فائقة، واستعداد للتضحية والفداء من أجل إحياء دين الله على منهج النبوة، وطمس المعالم الكفرية للدولة البرغواطية، فأمر بتعبئة جيوشه المجاهدة وخرج لقتال واستئصال الكفر من بلاد المغرب، فأثخن فى جنود الدولة البرغواطية، وفرَّق جموعهم، وكسر شوكتهم، وأعلنوا الطاعة والولاء للدولة المجاهدة الجديدة، ثم قصد أبو بكر مدينة أغمات، فمكث بها حتى شهر صفر سنة (452هـ/ 1060م) ثم تابع سيره فى بلاد المغرب، يفتح البلدان والقرى وحصون الجبال، ففتح سائر بلاد زناتة، وفتح مكناسة، وحاصر مدينة لواتة ودخلها عنوة فى شهر ربيع الثَّانِى سنة 452هـ, ثم عاد إلى أغمات التى اتخذها قاعدة عسكرية للمرابطين ومقرًا للأمير وأخوته، وعندما امتلأت المدينة اتجه أبو بكر إلى اختيار عاصمة جديدة، فوقع على موضع مدينة مراكش الحالية، وشرع فى بنائها، فأتاه رسول من الصحراء يخبره بإغارة قبيلة جدالة على قبيلة لمتونة، فعيَّن ابن عمه يوسف, وأسرع من أجل الإصلاح بين القبائل المتنازعة، وقسَّم الجيش إلى فريقين، نصفه مع يوسف الذى شرع فى تأديب القبائل المغربية المتمردة من مغراوة وزناتة وبنى يفرن وغيرهم, ووقع اختياره على أربعة من القوَّاد هم: محمد بن تميم الجدالي، وعمر بن سليمان المسوفي, ومدرك التلكاني، وسير بن أبى بكر اللمتوني، وعقد لكل منهم على خمسة آلاف من قبيلته، وسيرهم لتأديب تلك القبائل المتمردة، وسار فى أثرهم فغزوا قبائل المغرب قبيلة بعد قبيلة، وبلدًا بعد بلد، وكان بعضهم يفرون وبعضهم يقاتلونه, والبعض الآخر يدخلون فى طاعته.
واستمرَّ فى توحيد بلاد المغرب وسنرى جهوده الجهادية فى سيرته الميمونة.
أما أبو بكر فقد استطاع نشر الأمن فى الصحراء، وأزال الخلاف القائم بين لمتونة وجدالة، وتوسع فى جهاد قبائل السود الوثنية لتدخل فى دين الله؛ حيث صاول وجاول وقاتل الزنوج لتأمين حدود دولة المرابطين الجديدة بعد دعوة الزنوج للدخول فى الإسلام.
وبعد أن حقق أبو بكر بن عمر نجاحات هائلة فى مهمته الدعوية؛ رجع إلى المغرب الأقصى بجيوشه؛ فأكرمهم يوسف بن تاشفين إكرامًا يليق بالقائد الربَّانى أبى بكر بن عمر، واختار أبو بكر يوسف نائبًا عنه على حُكم المغرب الأقصى، وأمره بالعدل والرفق بالمُسْلِمين, ثم ودَّعه وعاد إلى الصحراء وقد زوَّده يوسف بطائفة عظيمة من الهدايا الجليلة، من المال والخيل والبغال والأسلحة المحلاة بالذهب، والجوارى والثياب الفاخرة والمؤن والدوابِّ، وهناك استأنف الجهاد والغزو حتى قُتل فى إحدى غزواته فى سنة (480هـ/1087م)( ).
قال ابن كثير فى «البداية والنهاية» عنه -أى عن أبى بكر بن عمر-: «اتفق له من الناموس ما لم تتفق لغيره من ملوك, كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الإسلام، ويحوط الدين ويسير فى النَّاس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده ودينه، وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة فى بعض غزواته فى حلقه فقتلته»( ).
لقد كان أبو بكر بن عمر من أعظم قادة المرابطين، وأتقاهم وأكثرهم ورعًا ودينًا وحبًا للشهادة فى سبيل الله، وساهم فى توحيد بلاد المغرب، ونشر الإسلام فى الصحارى القاحلة وحدود السنغال والنيجر، وجاهد القبائل الوثنية حتى خضعت وانقادت للإسلام والمُسْلِمين، ودخل من الزنوج أعداد كبيرة فى الإسلام, وساهموا فى بناء دولة المرابطين الفتية، وشاركوا فى الجهاد فى بلاد الأَنْدَلُس, وصنعوا مع إخوانهم المُسْلِمين فى دولة المرابطين حضارة متميزة.
هـ - تأملات فى مسيرة ابن ياسين الجهادية:
لقد سار ابن ياسين فى دعوته لقبائل المُلَثَّمين الصنهاجية سيرة حسنة نقية، وتدرَّج بهم من مرحلة التعريف إلى التكوين ثم التنفيذ حيث شرع فى قتال القبائل التى لم تحترم أو تُقدِّس حرمات الله، وأزال المنكرات، واعتبر ذلك جهادًا فى سبيل الله.
وقد لاحظت أن إعلان الجهاد على القبائل التى تفشت فيها المنكرات جاء بعد إعداد وشورى من أهل الحل والعقد، وبعد أن أصبحت لهم شوكة قوية وإمام مطاع، ومجلس من العلماء والفقهاء يقلبون أمور السلم والحرب.
ويكفى هؤلاء الأبطال على صحة جهادهم ما رواه مسلم فى صحيحه عن النبى × : «ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمَّته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تخلف من بعدهم خُلوف، يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل»( ).
إن حركة المرابطين كانت موفقة حيث استطاعت أن تنسق مع علماء وفقهاء سجلماسة لإسقاط الدولة الزناتية التى تفشى فيها الظلم والجور والعسف، فعندما رأوا من أنفسهم الاستطاعة والمقدرة على إزالة الظلم، ورأوا أن تحقُّقَ المصلحة كان أرجح، سارع الفقهاء والعلماء بالموافقة على مقترح ابن ياسين، وتدفَّقت جيوش المرابطين، وتعاونت مع المستضعفين وطهَّرت البلاد من هيمنة العابثين، ونشرت العدل بين المُسْلِمين، ورفعت الضرائب والمكوس عن المظلومين، وفى نظرى أن نجاح حركة المرابطين كان بتوفيق الله، ثم إن القيادة الفعلية للعلماء والفقهاء ومجلس الشورى الذى يُمَثِّل أهل الحِّل والعقد ممن شهدت لهم جموع المرابطين بأنَّهم أهل لذلك كانت حساباتهم دقيقة, وفتاويهم موزونة، ومعاركهم مدروسة.
أما قتالهم لبرغواطة, وغمارة, ذات المعتقدات الكُفرية والانحرافات العقدية فهذا يعتبر من أعظم أعمالهم الجهادية, عندما وقفوا لإزالة الدولة الشركية واقتلعوها من جذورها .

التلميذ النجيب وحامل لولء المرابطين والمؤسس الحقيقى للدوله المرابطيه
يوسف بن تاشفين

يوسف بن تاشفين بن إبراهيم اللمتونى الصنهاجي, وأُمُّه بنت عم أبيه فاطمة بنت سير بن يحيى بن وجاج بن وارتقين، وكانت قبيلته قد سيطرت بسيادتها وقيادتها على صنهاجة، واحتفظت بالرئاسة منذ أن جعلها الإمام ابن ياسين فيها بعد وفاة الأمير يحيى ابن إبراهيم الجدالى ، فنما عزيزًا كريمًا فى قَومه.
قال عنه المؤرخون من أمثال أشياخ خلق للزعامة
كان يوسف أسمر اللون نقيُّه, معتدل القامة، نحيف الجسم، خفيف العارضين،
رقيق الصوت، أكحل العينين، أقنى الأنف، له وفرة تبلغ شحمة الأذن،
مقرون الحاجبين, أجعد الشعر( ).
كان يجمع بين جمال الطلعة وجمال الجسم، وبين أبدع المواهب، كان بطلاً شجاعًا، نجدًا حاذقًا، جوَّادًا كريمًا، زاهدًا فى زينة الدنيا، عادلاً متورعًا, متقشفًا, لباسه الصوف، وطعامه خبز الشعير، ولحوم الإبل وألبانها( ). كان عزيز النَّفس كثير الخوف من الله.
كان يجمع الصفح والعفو عن الذنوب مهما كبرت ما عدا الذين يرتكبون الخيانة فى حق الدِّين فلا مجال للعفو عنهم( ).
ربَّته الأحداث وصاغت من شخصيته قائدًا فذًا، وبرهنت الأيامُ على أنه له مقدرة فذه فى القياده

ب - المراحل العسكرية التى مر بها يوسف فى جيش المرابطين:
1- 448-452هـ / 1056-1060م:
كان فى هذه المرحلة مجرد قائد من قواد المرابطين يتلقَّى الأوامر وينفِذُها بكل نجاح، وكانت هذه المرحلة غنية بالتجارب والخبرات التى شحذت ذهنه وأهَّلته للمرحلة التالية، فكأنَّها كانت ممارسة للسلطة، والاطلاع على خفاياها دون تحمُّل المسئولية، استطاع بعدها تسلُّم الإمارة بكل الأوامر التى وكِّلت إليه بكل همة ونشاط ودون تردد، وقاد المرابطين إلى النصر فى ميادين الجهاد والعزة والكرامة والشرف.
وظهر نجم يوسف للمرابطين فى معركة الواحات 448هـ - 1056م التى كان فيها قائدًا لمقدمة جيش المرابطين المهاجم، وبعد فتح مدينة سجلماسة عيَّنه الأمير أبو بكر واليًا عليها، فأظهر مهارة إدارية فى تنظيمها، ثم غزا بلاد جزولة وفتح ماسة ثم سار إلى تارودانت قاعدة بلاد السوس وفتحها, وكان بها طائفة من الشيعة البجليين نسبة إلى مؤسسها على بن عبد الله البجلي، وقتل المرابطون أولئك الشيعة, وتحوَّل مَن بقى منهم على قيد الحياة إلى السنة.
ثم جاء دور أغمات، كانت مدينة مزدهرة حضاريًّا إذ كانت أحد مراكز النصرانية القديمة, ومقرًا للبربر المتهودين، كان يحكمها الأمير لقوط بن يوسف بن على المغراوي.
تلقَّى يوسفُ التعليمات من الأمير أبى بكر بالزحف نحوها, ومهاجمتها, ودكِّها، ودخل المرابطون المدينة (449هـ/ 1057م).
وسار المرابطون وفى جملتهم يوسف نحو دولة برغواطة «الدولة الكافرة الملحدة» ونشبت المعارك بين الفريقين، وأصيب خلالها الإمام ابن ياسين بجراح بالغة توفى على أثرها كما علمتَ فى 451هـ / 1059م.
كان استشهاد الإمام الفقيه عبد الله بن ياسين البداية الأولى فى دفع يوسف إلى رئاسة الدولة الناشئة.
إذ إن جانب الإمامة يغلب على جانب الإمارة فى عهد الإمام ابن ياسين، وبعد وفاته تولَّى أبو بكر بن عمر، فرجح جانب الإمارة على جانب الإمامة، وأخذت الدولة الناشئة تتحول إلى طابع سياسى جديد, ومرَّت بها ظروف تتطلب رجالاً من طراز يوسف بن تاشفين.
وعندما دخل أبو بكر بن عمر بجيوشه إلى الصحراء, وأناب ابن عمه يوسف على المغرب, ظهرت خلالها مواهب يوسف العسكرية والإدارية والتنظيمية والحركية والدعوية، وسلم النَّاسُ بزعامته, وبدأ فى تأسيس دولته بالحزم والعلم والجد والمثابرة والبذل والعطاء.
وعندما رجع أبو بكر من الصحراء جمع أشياخ المرابطين من لمتونة وأعيان الدولة، والكُتَّاب والشهود، وأشهدهم على نفسه بالتخلى ليوسف عن الإمارة، وعلَّل الأمير أبو بكر هذا التنازل لابن عمه يوسف لدينه وفضله وشجاعته وحزمه ونجدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته، وأوصاه الوصية التالية «يا يوسف إنِّى قد ولَّيتُك هذا الأمر وإنِّى مسئول عنه؛ فاتق الله فى المُسْلِمين, وأعتقنى وأعتق نفسك من النار، ولا تُضيِّع من أمر رعيتك شيئًا؛ فإنَّك مسئول عنهم، والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل فى رعيتك, وهو خليفتى عليك وعليهم» ( ).
ويحلو لبعض الكُتَّاب من المؤرخين أن يُفَسِّرَ هذا الإيثار والتنازل عن المُلك بإن أبا بكر خشى من سطوة يوسف الذى أظهر له عدم استعداده التنازل عن الملك؛ وسيرة الرجُلين من الصلاح والتقوى تنافى ادعاءهم الباطل.
2- فتح المَغْرِب الأقصى الشَّمَالى 454هـ - 477هـ :
قام يوسف بن تاشفين نحو المغرب الشَّمَالى لينتزعه من أيدى الزناتيين, واستخدم من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود إرسال الجيوش للقضاء على جيوش المخالفين مستفيدًا من الخلافات السياسية بين قادة المدن، فحالف بعضها من أجل قتال مدينة فاس صلحًا عام 455هـ، ثم تمرَّد أهلها عليه إلا أنه استطاع إخماد جميع الثورات التى قامت ضد المرابطين بجهاده، وكفاحه المستمرِّ، حتى تمَّ له فتح جميع البلاد من الريف إلى طنجة عام 460هـ / 1067م.
وأعاد فتح فاس عنوة بحصار ضربه عليها بجيش قوامه مائة ألف جندى عام 462هـ/ 1069م, فقضى على شوكة مغراوة وبنى يقرن وسائر زناتة، ونظم المساجد والفنادق وأصلح الأسواق، وخرج من فاس عام 463هـ إلى بلاد ملوية وفتحها واستولى على حصون وطاط من بلاد طنجة ( ).
3- لقب الإمارة:
بعد هذه الانتصارات الناجحة استدعى شيوخ وأمراء المغرب من قبائل زناتة ومصمودة وغمارة، وأكرمهم وبذل لهم العطاء وأحسن إليهم، وبايعوه على الإمارة وخرج بهم يطوف فى أقاليم المغرب يتابع الأمراء ويحاسب الولاة، وينشر العدل ويرفع المظالم فهابته النفوس، واقتنعت أنها أمام رجل دولة عبقرى فذ.
وبعد أن رجع من تلك الجولَة التفقدية الإصلاحية سار بجيوشه عام (465هـ/1072م) لغزو الدمنة من بلاد طنجة وفتح جبل علودان ، وفى عام (467هـ/1074م) استولى على جبل غياثة وبنى مكود وبنى رهينة من أحواز تازا, وجعلها حدًّا فاصلاً بينه وبين زناتة الهاربة إلى الشرق، وأبعد عن المغرب كلَّ مَن ظنَّ فيه أنه من أهل العصيان، فأصبح خالصًا له مرتاحًا إلى طاعته مطمئنًا إلى خلوده إلى السكينة والهدوء غير تواق للثورة عليه.
وأصبحت منطقة تازا ثغرًا منيعًا بينه وبين زناتة؛ ولذلك اعتبر المُؤَرِّخُون عام 467هـ/ 1074م فاصلاً فى تاريخ الدولة المرابطية إذ بسط يوسف نفوذه على سائر المغرب الأقصى الشَّمَالى باستثناء طنجة وسبتة.
وسيَّر يوسف بن تاشفين إلى طنجة جيشًا من اثنى عشر ألف فارس مرابطى وعشرين ألفًا من سائر القبائل, وأسند قيادته إلى صالح بن عمران عام 470هـ، وعندما اقتربت جيوش المرابطين من طنجة برز إليهم الحاجب بن سكوت على رأس جيش وهو شيخ يناهز التسعين، وانتصر المرابطون وفتحوا طنجة وقتل فى تلك المعارك الحاجب بن سكوت( ). وبعد فتح طنجة استأنف الأمير يوسف توسُّعَه نحو الشرق لمطاردة زناتة التى لجأت إلى تلمسان، وكان هدفه القضاء على أى مقاومة تُهَدِّد دولة المرابطين فى المستقبل، وبدأت عمليات الهجوم الوقائى التى استطاعت أن تحقق أهدافها وتهزم جيش تلمسان المعادى وتأسر قائده معلى بن يعلى المغراوى الذى قُتل على الفور، ورجعت كتائب المرابطين إلى مراكش, ثم عاد يوسف نحو الريف، وغزا تلك الأراضى وضم مدينة تكرور ولم تعمر بعد ذلك.
ثم رجع بجيوشه نحو وهران وتنس وجبال وانشريش ووادى الشلف حتى دخل مدينة الجزائر, وتوقف عند حدود مملكة بجاية التى حكمها بنو حمَّاد -فرع من صنهاجة.

العبور الى الاندلس الحبيب

تأثَّر المُسْلِمون بسقوط طُلَيْطِلَة تأثُّرًا عميقًا على مختلف الساحة الإسلامية فى الأَنْدَلُس، وتفجَّرت قريحة الشعراء فى استثارة الهمم والتحريض على الجهاد، والتحذير من تفاقم الخطر، ومما قيل فى ذلك قول عبد الله بن فرج اليحصبى المشهور بابن عسال الطليطلي:
يا أهل أندلس حثوا مطيتكم
فما المقام بها إلا من الغلط

الثوب ينسل من أطرافه وأرى
ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط

ونحن بين عدو لا يفارقنا
كيف الحياة مع الحيات فى سفط( )

ومن ذلك أيضًا:
يا أهل أندلس ردُّوا المعار فما
فى العرف عارية إلى مردات

ألم تروا بيدق الكفار فرزنه
وشاهنا آخر الأبيات شهمات( )

لقد كانت روما تقف بكل ما تملك من قُوَّة معنوية ومادية خلف ألفونسو وجنوده للقضاء على المُسْلِمين، وأسبغوا على قتال المُسْلِمين صفة الحروب الصليبية المقدسة وأصبح البابوات لهم دور فى توجيهها.
وفى هذا الوقت كانت الممالك الاندلسيه تعيش فى ذل مع فرديناند ملك قشتاله النصرانى وكان بهضهم يدفع اليه الجزيه مثل الامير المامون امير بلنسيه والذى كان فى حاله من الحرب مع المعتمد بن عباد امير اشبيليه الذى كان بدوره فى حاله حرب مع كثير من امراء المسلمين الذين كانوا يتنافسون فيما بينهم على الامارات والجوارى والحصون وفى نفس الوقت كانوا يستعينون بملوك النصارى فى الحرب على بعضهم البعض وضاعت طليطله وهم ينظرون ولم يقدم منهم احد اى دعم
لهذه الاماره العظيمه التى فشل المسلمون فى استعادتها مرة اخرى .

فى نفس الوقت ارسل ملك النصارى رساله الى المعتمد الذى كان يعد اقوى امراء الاندلس واوفرهم جيشا بطلبات مذله وخسيسه تنم عن روح اعدوانيه واستفزازيه ملعونه مثل السماح لزوجته النصرانيه بالوضع فى جامع قرطبه العظيم الذى كان يعد فخر بلاد المسلمين ومركز النور والحضاره والعلم والرفعه .
واليكم القصه كما رواها ابن عذرى
طلب ألفونسو من المُعْتَمِد أن يسمح لزوجته القمطجية أن تلد فى جامع قرطبة بناءً على نصيحة الأساقفة، لأن الطرف الغربى كان موقع كنيسة قرطبة القديمة، وسأله أن تنزل بالزهراء مدينة الخليفة الناصر، لتكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة المزعوم¬( )، وأرسل إليه بعثة من خمسمائة فارس برئاسة اليهودى ابن ساليب لأخذ الجزية، وتجرأ السفير وقلَّ أدبه إن كان له أدب، وخرج على العرف الدبلوماسي، وأغلظ فى القول للمُعْتَمِد وقال: «لا تعتقدونى بسيطًا لأقبل مثل هذه العملة المزيفة, لا آخذ إلا الذهب الصافي، السنة القادمة ستكون مدنًا»( ). فأخذت المُعْتَمِد النخوة الإسلاميَّة وصلب اليهودي، وقتل البعثة، وبذلك يكون ألفونسو قد تحصل على ما يريده، وكان ألفونسو متجهًا لحصار قرطبة فلمَّا وصل خبر البعثة أقسم بآلهته ليغزون المُعْتَمِد فى إشبيلية، وحرَّك جيوشه نحو غرب الأَنْدَلُس فدمَّر كل القرى والتخوم التى فى طريقه نحو إشبيلية, وخرج فى جيش من طريق آخر يدمِّر ويخرِّب ويقتل ويحرق ويسفك ويسبي، حتى وصل إلى جزيرة طريف أقصى جنوب الأَنْدَلُس على المضيق، وأدخل قوائم فرسه فى البحر قائلاً: «هذا آخر بلاد الأَنْدَلُس قد وطئته».
قام ملك النصارى الفونسوا باحتلال امارات الاندلس واحده تلو الاخرى واستباحه اعراض النساء والاطفال وشعر امراء المسلمين بان النهايه قادمه فقرروا التوحد لاول مره فى تاريخ الاندلس بعد حكم الامويين وأيقن إن الدائرة عليه قادمة، واجتمع أمراء المُسْلِمين عندما رأوا إن شبح السقوط ماثلاً أمام أعينهم، فاتحدوا لأول مرة واجتمعت كلمتهم على أن يضعوا حدًا لفتوح ألفونسو, وإذا كانت قواتهم مُجْتَمَعة لا تكفى لرد عدوانه، فقد اتفقت كلمتهم على الاستنجاد بالمرابطين فى إفريقية واستدعائهم إلى الأَنْدَلُس، علمًا بإن ملوك الأَنْدَلُس كانت ترهِبُ الفرنج بإظهار موالاتهم لمَلِكِ المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له شهرة تطايرت فى الآفاق لما حققه من ضمِّ دِوَل إلى دولته وقضائه عليها, واشتهر بين النَّاس أن لأبطال المُلَثَّمين فى المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس وطعنات تنظم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب فى قلوب المنتدبين لقتالهم .

رساله امراء الاندلس الى المرابطين وقائدهم يوسف بن تاشفين.
من المتوكل ابن الافطس امير بطليموس
«لما كان نور الهدى -أيدك الله- دليلك, وسبيل الخير سبيلك، ووضحت فى الصلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وصحَّ العلم بأنَّك لدعوة الإسلام أعزُّ ناصر، وعلى غزو الشرك أقدر قادر، وجب أن تستدعى لما عضل الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيف بأنحائها عند إفراط تسلُّطها واعتدائها وشدة كلفها واستشرائها تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة، ولم يزل دأبها التشكك والعناد، ودأبها الإذعان والانقياد حتى نفذ المطارف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم فى افتتاح المدن، واضطرمت فى كلِّ جهة نارهم، ورويت من دماء المُسْلِمِين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطئ القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسارى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب، فيا الله ويا للمُسْلِمِين أيسطو هكذا بالحق الإفكُ، ويغلب التوحيدَ الشركُ، ويظهر على الإيمان الكفرُ، ولا يكشف هذه البلية النصرُ، ألا ناصر لهذا المهتضم؟ ألا حامى لما استبيح من الحرم؟، وإنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزيَّة التى ليس فيها عزاء، والبلية التى ليس مثلها بلاء، ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك – أعزَّك الله – بالنازلة فى مدينة قورية أعادها الله وإنَّها مؤيدة للجزيرة بالخلاء، ومَن فيها من المُسْلِمِين بالجلاء، ثم ما زال التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند حتى تخلَّصت القضية وتضاعفت البلية وتحصَّلت فى يد العدو مدينة سرية، وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع فى الحصانة والامتناع.
وهى من المدينة كنقطة دائرية تدركها من جميع نواحيها، ويستوى فى الأرض بها قاصيها ودانيها، وما هو إلا نفس خافت وزمر داهق استولى عليها عدو مشترك وطاغية منافق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالاً, وتتداركها ركبانًا ورجالاً، وتنفروا نحوها خفافًا وثقالاً، وما أحضكم على الجهاد بما فى كتاب الله فإنَّكم له أتلى، ولا بما فى حديث رسول الله × فإنكم إلى معرفته أهدى، وكتابى إليكم هذا يحمله الشيخ الفقيه الواعظ يفصِّلها ويشرُحها، ومشتمل على نكتة وهو يبينها ويوضِّحها، فإنه لما توجه نحوك احتسابًا، وتكلف المشقة إليك طالبًا ثوابًا، عوَّلت على بيانه, ووثقت بفصاحة
لسانه, والسَّلام >>
الفونسوا يقوم بعمليه استفزاز للمسلمين

وكان ألفونسو متجهًا لحصار قرطبة فلمَّا وصل خبر البعثة أقسم بآلهته ليغزون المُعْتَمِد فى إشبيلية، وحرَّك جيوشه نحو غرب الأَنْدَلُس فدمَّر كل القرى والتخوم التى فى طريقه نحو إشبيلية, وخرج فى جيش من طريق آخر يدمِّر ويخرِّب ويقتل ويحرق ويسفك ويسبي، حتى وصل إلى جزيرة طريف أقصى جنوب الأَنْدَلُس على المضيق، وأدخل قوائم فرسه فى البحر قائلاً: «هذا آخر بلاد الأَنْدَلُس قد وطئته
ومِن هنا أرسل إلى الأمير يوسف بن تاشفين: «أمَّا بعد.. فلا خفاء على ذى عينين أنَّك أمير المُسْلِمِين بل الملة الإسلاميَّة، كما أنا أمير الملة النصرانية، ولم يخف عليك ما عليه رؤساؤكم بالأَنْدَلُس من التخاذل والتواكل، والإهمال للرعية والإخلاد إلى الراحة، وأنا أسومهم الخسف، فأخرب الدِّيار وأهتك الأستار، وأقتل الشبَّان وآسر الولدان، ولا عذر لك فى التخلف عن نصرتهم إن أمكنك معرفة هذا، وأنتم تعتقدون أن الله - تعالى - فرض على واحد منكم عشرة منا، وأن قتلاكم فى الجنة وقتلانا فى النار، ونحن نعتقد أن الله أظفرنا بكم وأعاننا عليكم، ولا تقدرون دفاعًا ولا تستطيعون امتناعًا، وبلغنا عنك وأنَّك فى الاحتفال عن نية الاستقبال فلا يدرى أكان الجبن بك أم التكذيب بما أنزل عليك، فإن كنت لا تستطيع الجواز فابعث إليَّ ما عندك من المراكب نجوز إليك، أناظرك فى أحب البقاع إليك؛ فإن غلبتنى فتلك نعمة جلبت إليك، ونعمة شملت بين يديك، وإن غلبتك كانت لى اليد العليا عليك, واستكملت الإمارة, والله يتم الإرادة»

رد يوسف بن تاشفين
«ما ترى لا ما تسمع إن شاء الله -تعالى- »

وعاد ألفونسو المغرور المتكبر إلى إشبيلية حيث التقى بجيشه الآخر أمام قصر المُعْتَمِد بن عَبَّاد بضفة النهر، وحاصر المدينة ثلاثة أيام، وكتب إلى المُعْتَمِد يسأله أن يرسل إليه مروحة لطرد الذباب، ولم يتحمل المُعْتَمِد هذه الإهانة فردَّ: «قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك, وسأنظر إليك فى مراوح من الجلود اللمطية تروح منك ولا تروح عليك»( ).
وكان يقصد المرابطين باعلامهم السوداء الكبيره الجلديه

ترك ألفونسو إشبيلية وسار نحو سَرْقُسْطَة وحاصرها، كانت شبه ضائعة تنتظر مصيرها المؤلم, وصاحبها ابن هود لا يستطيع الدفاع كثيرًا، ثم أخذ بلنسية, وأعطاها القادر بن ذى النون صاحب طُلَيْطِلَة السابق، وهاجم مملكة المرية, ووصل القشتاليون إلى نابار قرب غرناطة, كان الخطر على الأَنْدَلُس شديدًا، وقلة الشجاعة وانهيار الروح المعنوية تثبط العزائم، إذ أن ثمانين قشتاليًا هزموا أربعمائة من المرية¬( ).
ثالثًا: اجتماع علماء قرطبة:
أمام هذا الضياع المفزع الذى وصلت إليه ممالك الأَنْدَلُس؛ اجتمع علماء وفقهاء وزعماء قرطبة للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ مدينتهم، ووصل رأيهم بعد تبادل الآراء والأفكار إلى استدعاء المرابطين.
ورأى المُعْتَمِد أن هذا الرأى فيه صواب ونفاذ بصيرة؛ فجدَّ فى تقوية جيشه ورمم الحصون والقلاع، وقرَّر أن يطلب النجدة من إخوانه المُسْلِمِين، وتشاور فى الأمر مع ابنه الرشيد وزعماء إشبيلية الذين أشاروا عليه بمهادنة ألفونسو والخضوع لشروطه، ولكن هذا الرأى لم يجد هوى فى نفس المُعْتَمِد الذى خلا بابنه الرشيد وكان ولى عهده وقال له: «أنا فى هذه الأَنْدَلُس غريب بين بحر مظلم وعدو مجرم، وليس لنا ولى ولا ناصر إلا الله، وإن إخواننا وجيراننا ملوك الأَنْدَلُس ليس فيهم نفع، ولا يُرجَى منهم نصرة، ولا حيلة إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدو ثقيل وهو اللعين أذفونش فقد أخذ طُلَيْطِلَة وعادت دار كفر وها هو قد رفع رأسه إلينا.
وإن نزل علينا طُلَيْطِلَة ما يرفع عنا حتى يأخذ إشبيلية، ونرى من الرأى أن نبعث إلى هذه الصحراء وملك العدوة نستدعيه للجواز إلينا ليدافع عنا الكلب اللعين إذ لا قدرة لنا على ذلك بأنفسنا، فقد تلف لجاؤنا وتدبرت بل تبردت أجنادنا, وبغضتنا العامة والخاصَّة¬( ). فأجابه الرشيد: يا أبت أتدخل علينا فى أَنْدَلُسنا مَن يسلبنا ملكنا ويبدد شملنا؟ فقال: أى بنى والله لا يسمع عنى أبدًا أنى أعدت الأَنْدَلُس دار كفر ولا
ولما انتشر رأى المُعْتَمِد بن عَبَّاد فى الأَنْدَلُس حذره ملوك الطوائف من ذلك وقالوا له: «الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان فى غمد واحد»، وعارض بشدة طلب العون من المرابطين عبد الله بن سكوت والى مالقة الذى كان يرى أن المرابطين أشد خطرًا من النصارى، ويجب الاعتماد على القوة الذاتية للأَنْدَلُسيين¬( )، فأجابهم المُعْتَمِد: «رعى الجمال خير من رعى الخنازير»( ) وأضاف: إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الشرَّين أمر الملثمين»( ).
وقال للذين لاموه على هذا الرأي: يا قوم إنَّى فى أمرى على حالين: حالة يقين وحالة تركتها للنصارى فتقوم عليَّ اللعنة من على منابر المُسْلِمِين مثل ما قامت على غيري، والله خُرز الجمال عندى خير من خُرز الخنازير»( ). شك، ولابد لى من أحدهما، أمَّا حالة الشك فإنِّى إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففى الممكن أن يفيا لى ويبقيا عليَّ، ويمكن أن لا يفعلا فهذه حالة شك.
وأمَّا حالة اليقين فإنِّى إن استندت إلى ابن تاشفين فإنى أرضى الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأى شيء أدع ما يرضى الله وآتى ما يسخطه؟ حينئذٍ قصر أصحابه عن لومه( ).
ولما عزَم على طلب النصرة من المرابطين؛ اتصل المُعْتَمِد بالمُتَوَكِّل بن الأفطس صاحب بطليوس، وعبد الله بن بلقين الصنهاجى صاحب غرناطة، وطلب منهما أن يرسل كل منهما قاضى مدينته حتى يكونوا وفدًا إلى المرابطين لمقابلة الأمير يوسف بن تاشفين، وتشكَّلت البعثة من قاضى قرطبة ابن أدهم، وقاضى بطليوس ابن مقانا, وقاضى غرناطة ابن القليعي, ومعهم وزير المُعْتَمِد أبو بكر بن زيدون, وأسند المُعْتَمِد إلى القضاة وعظ الأمير يوسف وترغيبه فى الجهاد، وأسند إلى وزيره إبرام العقود، وحملت البعثة معها رسالة مكتوبة من المُعْتَمِد إلى الأمير يوسف مؤرخة 479هـ, وهذا نصُّها: «بسم الله الرحمن الرحيم, وصلِّى الله على سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.. إلى حضرة الإمام أمير المسلمين وناصر الدِّين ومحيى دعوة الخليفة، الإمام أبى يعقوب يوسف بن تاشفين، القائم بعظيم أكبارها، الشَّاكر لأجلالها المعظِّم لما عظم الله من كريم مقدارها، اللائذ بحرامها, المنقطع إلى سمُّو مجدها, المستجير بالله وبطولها مُحَمَّد عباد سلام كريم يخص الحضرة المعظمة السامية ورحمة الله تعالى وبركاته.
كتب المنقطع إلى كريم سلطانها من إشبيلية فى غرة جمادى الأولى 479هـ/ 1086م وإنَّه أيَّد الله أمير المُسْلِمِين ونصر به الدِّين، فإنَّا - نحن العرب - فى هذه الأَنْدَلُس قد تلفت قبائلنا، وتفرَّق جمعنا، وتغيَّرت أنسابنا بقطع المادة عنا من ضيعتنا؛ فصرنا شعوبًا لا قبائل, وأشتاتًا لا قرابة ولا عشائر، فقلَّ نصرنا، وكثر شُمَّاتُنا، وتولَّى علينا هذا العدو المجرم اللعين ألفونسو وأناخ علينا بطُلَيْطِلَة ووطئها بقدمه، وأسر المُسْلِمِين، وأخذ البلاد والقلاع والحصون، ونحن أهل هذه الأَنْدَلُس ليس لأحد منا طاقة على نصرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال، وأنت أيدك الله سيد حمير، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتى إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين مُحَمَّد ×، ولكم عند الله الثواب الكريم على حضرتكم السامية السلام ورحمة الله وبركاته ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلى العظيم»( ).
وأرسلت وفود شعبية من الشيوخ والعلماء رسائل تحثُ الأمير على إنقاذ الأَنْدَلُس.
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى